الشيخ محمد هادي معرفة
232
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
به على التأثيرات في عالم العناصر إمّا بغير معين أو بمعين من الأُمور السماوية . والأوّل هو السّحر ، والثاني هو الطِلَّسمات . قال : ولنقدّم هنا مقدّمةً يتبيّن بها حقيقة السحر ، وذلك أنّ النفوس البشرية وإن كانت واحدة بالنوع فهي مختلفة بالخواصّ . فنفوس الأنبياء لها خاصّية تستعدّ بها للمعرفة الربّانية ومخاطبة الملائكة . وما يتّسع في ذلك من التأثير في الأكوان واستجلاب روحانية الكواكب للتصرّف فيها والتأثير بقوّةٍ نفسانية أو شيطانية . فأمّا تأثير الأنبياء فمدد إلهي وخاصّية ربّانية ، ونفوس الكهنة لها خاصّية الاطّلاع على المغيّبات بقوى شيطانية ، وهكذا كلّ صنف مختصّ بخاصّية لا توجد في الآخر . والنفوس الساحرة على مراتب ثلاث ، فأوّلها المؤثّرة بالهمّة فقط من غير آلةٍ ولا معين ، وهذا هو الذي يُسمّيه الفلاسفة السحر . والثاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواصّ الأعداد ، ويُسمّونه الطِلَّسمات ، وهو أضعف رتبةً من الأوّل . والثالث تأثير في القوى المتخيّلة ، يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيّلة فيتصرّف فيها بنوعٍ من التصرّف ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة وصُوَرا ممّا يقصده من ذلك ، ثمّ ينزلها إلى الحسّ من الرائين بقوّة نفسه المؤثّرة فيه ، فينظر الراؤون كأنّها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك كما يحكى عن بعضهم أنّه يُري البساتين والأنهار والقصور ، وليس هناك شيء من ذلك . ويسمّى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة . قال : ثمّ هذه الخاصّية تكون في الساحر بالقوّة شأن القوى البشرية كلّها ، وإنّما تخرج من القوّة إلى الفعل بالرياضة ، ورياضة السحر كلّها إنّما تكون بالتوجّه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلويّة والشياطين ، بأنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلّل ، فهي لذلك وجهةٌ إلى غير اللّه وسجود لغير اللّه ، والوجهة إلى غير اللّه كفر ، فلهذا كان السحر كفرا والكفر من موادّه وأسبابه . قال : واعلم أنّ وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه ، وقد نطق به القرآن ، قال اللّه تعالى : « وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ